محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

266

الآداب الشرعية والمنح المرعية

عليهما السّلام بعد ما كبرت سنة : ما بقي من عقلك ؟ قال : لا أنطق فيما لا يعنيني ، ولا أتكلف ما كفيته . وكان الأحنف رجلا دميما أعور قصيرا أحنف ، فقال له رجل بأي شيء بلغت ما بلغت ؟ فو اللّه ما أنت بأشرف قومك ولا أشجعهم ولا أجودهم ، فقال : يا ابن أخي بخلاف ما أنت فيه ، فقال : وما خلاف ما أنا فيه ، قال تركي من أمرك ما لا يعنيني ، كما عناك من أمري ما لا يعنيك . قال أبو جعفر صحة التقسيم في البلاغة أن تضع معاني ثم تشرح فلا تزيد عليها ولا تنقص ، قال : ولبعضهم من صنف كتابا فقد استشرف للمدح والذم ، لأنه إن أحسن فقد استهدف للحسد ، وإن أساء فقد تعرض للشتم . وذكر أبو جعفر من التكافؤ في البلاغة وهي المماثلة ما قيل لبعض القراء إن أخا لك قد ولي ولاية فلم لا تهنئه قال : ما سرتني له فأهنيه ، ولا ساءته فأعزيه . وقال رجل لرجل : قد كثرت علينا المؤن فقال : ما أحد للّه عليه نعمة ، إلا وللناس عليه مؤنة ، فإن ضجرهم تعرض لزوالها . وذكر لمالك بن أنس رجل شريف لا يفيق من الشراب فقال : العجب لمن فقد عقله مرة كيف لا يشغله الاهتمام بما فقد عن معاودة مثله . وذكر أبو جعفر من الاستعارة من اللغة في البلاغة قول : " الطم والرم " إذا أرادوا المبالغة في كثرة ماله ، وهذا من الاستعارة البليغة لأن الطم البحر والرم الثرى ، وهذا لا يملكه إلا اللّه ، وليس هو كذبا لأنه قد عرف معناه ، وقال ومحفوظ عن مالك بن أنس أنه سئل عن رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن كان هذا الطائر يسكت ، فقال : لا يحنث لأن معناه التكثير . ومنه " ما له سبد ولا لبد " أي ما له شيء ، والسبد الشعر واللبد الصوف . ومنه " ما يعرف قبيله من دبيره " فالقبيل ما أقبلت به المرأة عن غزلها حين تفتله ، والدبير ما أدبرت به ، وذهب الأصمعي إلى أنه استعارة من الإقبالة والإدبارة وهو شق في الأذن يفتل ، فإذا به فهو الإقبالة وإذا أدبر فهو الإدبارة . وذكر الجوهري في الصحاح قال يعقوب القبيل : ما أقبلت به إلى صدرك ، والدبير ما أدبرت به عن صدرك ، يقال فلان ما يعرف قبيلا من دبير والجلدة المعلقة من الأذن هي الإقبالة والإدبارة كأنها زنمة . قال أبو جعفر ويستحسن من هذا ما كتب به عبد اللّه بن المغيرة يصف القلم : يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة ، ويسكت واقفا ، وينطق سائرا ، على أرض بياضها مظلم ، وسوادها مضيء . ومن الكتاب من يستحسن السجع ومنهم من كرهه لقول حمل بن مالك يا رسول اللّه كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، ومثل ذلك يطل فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :